محمد سعيد رمضان البوطي
174
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
اللَّهِ « 19 » [ النساء 4 / 88 ] . واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود ، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك » « 20 » . وعسكر النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه - وهم لا يزيدون على سبع مئة مقاتل - في الشعب من أحد ، فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة ، وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين راميا ، وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير وأوعز إليهم قائلا : « قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا » « 21 » . وألحّ كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلم في القتال ، وهما ابنا خمس عشرة سنة ، فردّهما النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لصغر سنّهما ، فقيل له : « يا رسول اللّه إن رافعا رام ، فأجازه ، فجاء سمرة بن جندب يقول : فأنا واللّه أصرع رافعا ، فأجازه هو أيضا » . وأمسك النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بسيف فقال : « من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فأقبل أبو دجانة قائلا : أنا آخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه ( وكان ذلك شأنه عندما كان يريد أن يقاتل حتى الموت ) ، ثم راح يتبختر بين الصفوف . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في مثل هذا الموطن » « 22 » . ثم أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اللواء لمصعب بن عمير رضي اللّه عنه . وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل . فاقتتل الناس ، وحميت الحرب ، وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع مذهل ، وكان في مقدمة المبارزين والمقاتلين أبو دجانة ، وحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير . وقتل مصعب بن عمير دون الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فأخذ اللواء علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وما هو إلا أن أنزل اللّه نصره على المسلمين ، فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل . وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون . فتكلم الرماة الذين كانوا على الجبل في النزول ، واختلفوا فيما بينهم ، فنزل كثير منهم ظنّا منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها ، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم ، وثبت رئيسهم عبد اللّه بن جبير مع عدد يسير قائلا : لا أجاوز أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله ، فكرّ راجعا
--> ( 19 ) صحيح البخاري : 5 / 31 ( 20 ) طبقات ابن سعد : 3 / 80 ، وروى ابن إسحاق نحوه : 2 / 65 ( 21 ) ابن سعد : 3 / 80 ، وابن هشام بألفاظ قريبة من هذه . وروى نحوه البخاري : 5 / 29 ( 22 ) ابن هشام : 1 / 233 . وروى نحوه مسلم عن طريق حماد بن سلمة ، إلا أنه لم يرد في مسلم : أنها لمشية يبغضها اللّه . . ( انظر صحيح مسلم : 7 / 15 ) .